عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

83

اللباب في علوم الكتاب

حرثكم أنّى شئتم » كان المراد : فأتوا نساءكم أنى شئتم ، فيكون إطلاقا في إتيانهن على جميع الوجوه . وثانيهما : كلمة « أنّى » معناها : أين ؛ قال - تعالى - : أَنَّى لَكِ هذا [ آل عمران : 37 ] ، معناه : من أين لك هذا ، فصار تقدير الآية : فأتوا حرثكم أين شئتم ، وكلمة « أين » تدلّ على تعدّد الأمكنة ؛ تقول : اجلس أين شئت ، فيكون تخييرا بين الأمكنة . وإذا ثبت هذا ، فلا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها ، أو من دبرها في قبلها ؛ لأنه على هذا التّقدير ، يكون المكان واحدا ، والتّعدّد إنّما وقع في طريق الإتيان ، فاللّائق به أن نقول : اذهبوا إليه كيف شئتم ، فلمّا لم يذكر كيف ، بل ذكر لفظة « أنّى » وهي مشعرة بالتّخيير بين الأمكنة كما بيّنّا ، ثبت أنّ المراد ما ذكرنا . الحجة الثانية : تمسّكوا بعموم قوله - تعالى - : إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [ المؤمنون : 6 ] ، ترك العمل به في حقّ الذّكور بالإجماع ، فيبقى فيما عداه على العموم . الحجة الثالثة : لو قال للمرأة : دبرك عليّ حرام ، ونوى الطّلاق ، أنه يكون طلاقا ، فيقتضي كون دبرها حلالا له . والجواب عن الأوّل : أن « الحرث » اسم لموضع الحراثة ، والمرأة بجميع أجزائها ليست محلا للحراثة ، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة كما تقدّم ، فلما أطلق لفظ « الحرث » على ذات المرأة ، حملنا ذلك على المجاز المشهور من تسمية الشّيء باسم جزئه ، وهذه الضّرورة مفقودة في قوله : « فَأْتُوا حَرْثَكُمْ » فوجب حمل الحرث ههنا على موضع الحراثة على التّعيين ؛ فثبت أن هذه الآية لا دلالة فيها إلّا على إتيان النّساء في محلّ الحرث ، وقد قدّمنا أن « الحرث » إنّما يراد للزّرع وهو الولد ، وذلك لا يكون إلّا في المأتى . وعن الثّاني : أنه لما ثبت أن المراد ب « الحرث » ذلك الموضع المعيّن لم يمكن حمل « أَنَّى شِئْتُمْ » على التّخيير في الأمكنة . وأما قوله : إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [ المؤمنون : 6 ] فإنه عامّ ، ودلائلنا خاصّة ، والخاصّ مقدّم على العام . وقولهم : دبرك عليّ حرام ، إنما صلح أن يكون كناية عن الطّلاق ، وإنّه لمحلّ الملامسة والمضاجعة ، وهو جزؤها ، فصار ذلك كقوله : يدك طالق . هذا الجواب من حيث التّفصيل أمّا من حيث الجملة : فقد بينّا أنّ قوله : « قُلْ هُوَ أَذىً » يدلّ على التّحريم ؛ لوجود العلّة المقتضية له ، فلو جوّزنا ذلك ، لكان جمعا بين دليل التّحريم ، ودليل التّحليل في موضع واحد ، والأصل أنّه لا يجوز ، وأيضا فالرّوايات